المسرح الجامعي في الناصرية
تأسيس تحاصره المعوقات
عمار نعمة جابر
9.8.2005
بعد أن كان البحث متواصلاً عن قنوات الاتصال بين الجامعة ، كبناء تعليمي يمتلك أهمية كبيرة في الحياة الاجتماعية لكل البلدان ، وبين المسرح كمنظومة متكاملة تمتلك مقومات تفاعل مؤثرة ، تقدم للحياة ككل مساحة للعمل والفكر والإحساس بالجمال ، جاءت عملية التحاق الناقد والمخرج ياسر عبد الصاحب البراك بكوادر جامعة ذي قار بمثابة الخطوة الأولى نحو البدء العملي لفكرة تأسيس مسرح جامعي في مدينة الناصرية ، والتي كانت تمثل منطقة قلق وبحث من قبل البراك ، حيث يرى البراك أن الولوج داخل هذا الكيان المهم ( اقصد الجامعة ) هو خطوة مهمة لتحقيق عدة أهداف مسرحية ، تبدأ هذه الأهداف من تحسين صورة المسرح المشوهة عند شريحة كبيرة من الناس ، وخاصة الطلبة الذين يملكون قسماً لا يستهان به من تلك النسبة ، والتي من وجهة نظري جاءت كنتيجة طبيعية لظروف راهنة تمر بها الجامعات العراقية عموماً ، وأركز هنا على أسباب مهمة منها ، تدخل سافر لسلطة الجهات السياسية في الحياة الجامعية ، وكذلك التدخل المربك للسلطة الدينية في بناء المفاهيم الجامعية بشكل مباشر ، وأيضاً التدني الواضح في الوعي الفكري لبعض للأساتذة والطلبة على حد سواء ، أضف إلى ذلك الحرب المقصودة ضد التوجهات الثقافية والفنية داخل الحرم الجامعي ، وغيرها من الأسباب التي دفعت وبشكل مباشر المنظومة الثقافية والفنية للخروج من الحياة الجامعية .
ومن الأهداف التي يرى البراك في تحققها من خلال المسرح الجامعي هو رفد الساحة المسرحية بالدماء المسرحية الجديدة ، محاولة منه لتحريك الراكد والجامد في النشاط المسرحي ، والتي لعبت فيه عناصر الكلاسيكيات والجمود الذهني دوراً واضحاً في تلكؤ العملية الإبداعية ، لتوصله في النهاية نحو الوقوف ، وقلة الحركة والتقدم ، وأيضاً من الأهداف التي سيحققها المسرح الجامعي قضية ممارسة الطالب لقناع الجمال ، في التعبير عن أفكاره وإيصالها للآخر ، بأسلوب متحضر ، وتجاوز الأسلوب القبلي في التعبير والطرح ، وفرض الرأي على الآخر . وغيرها من المقصودات التي يرجى تحقيقها من خلال المسرح الجامعي .
كانت التجربة وككل تجارب التأسيس تحتاج إلى أن تقف ضد التيارات التي تشكل حائلاً متكرراً أمام كل مواطن الإبداع والخلق ، في ظروف أقل ما يمكن أن توصف بأنها ظروف مشوهة وغير متوازنة . أبتداءً من تحصيل الموافقات الرسمية في المؤسسة الجامعية ، والتي تحوي في كوادرها على من يرى في فن التشكيل ( خربشات ) فارغة . وهنا يمكن تخيل شكل الصعوبات في إقناعهم بجدوى فن المسرح في الحياة الجامعية .
ولكن هذا الأمر ورغم ما فيه من معوقات للاستمرار في المشروع ، قد مثل نقطة صغيرة مقابل ما واجه المشروع من معوق حقيقي ، تمثل في إقناع الطالب الجامعي بفكرة العمل في النشاط المسرحي ، بعد أن تعلم في مرجعياته القبلية والدينية ، أنها نشاطات لا جدوى منها ، بل وقد تجلب غضب ( المضيف ، والمسجد ) وهي أماكن مقدسة عند كيان الطالب الجامعي الآن . فكانت عملية شاقة خلفت صدمة في مشروع البراك الجامعي ، حيث التحق معه ثمانية طلبة ذكور فقط ، في جامعة ضمت في أقسامها الآفاً من الطلبة ، ومما زاد الأمور تعقيداً انه بعد أيام قليلة فقط ، تبخر جميع الطلبة الذين أعجبتهم فكرة العمل المسرحي في بدايتها ، ولم يبق إلى جانب البراك سوى طالب واحد يتيم ! يطرق مع البراك وبشكل متواصل أبواب عمداء الكليات ، فقط للحصول على قاعة للتمرين ، في الجامعة التي تفتقر بالإضافة إلى الوعي المسرحي للعمداء فيها لأن أحدهم لم يشاهد في يوم من الأيام عملاً مسرحياً ! تفتقر إلى قاعات صالحة لأي نشاط فني .
وحين أقيم المهرجان الجامعي الأول في جامعة القادسية ، ظهر التحدي الحقيقي في وضع اللبنة الأولى للمسرح الجامعي في جامعة ذي قار ، حيث تلقى البراك دعوة شخصية للمشاركة في المهرجان الجامعي الأول ، وأعتبر أن ضياع هكذا فرصة لاختبار مدى نجاح المشروع ، هو معوق حقيقي في استمرار العطاء في هكذا وضع . فجاءت دعوة جماعة الناصرية للتمثيل والتي يديرها ياسر البراك بمثابة الإنقاذ للمشروع ، حيث تم تقديم عمل ( الشاعر والمخترع والكولونيل ) للمؤلف بيتر اوستينوف ، وترجمة الشاعر الخالد بدر شاكر السياب ، بكادر مختلط من الجامعة والجماعة . فحقق هذا التزاوج الناجح عرضاً مميزاً على مسرح المركز الثقافي في جامعة القادسية ، حصد فيه الكادر ثلاث جوائز ، ( جائزة اللجنة التحكيمية و أفضل سينوغرافيا وأفضل ممثل مساعد ) س.
هذا النجاح أستطاع من وجهة نظري أن ينقل المسرح الجامعي نحو مرحلة جديدة في طريق التأسيس ، ولكن لا زالت المعوقات التي تحاصر المشروع قائمة ، وتضع المشروع بين كفتي الضياع والاستمرار المتعثر . فالمسرح الجامعي بحاجة إلى أن يكون هدفاً لا من قبل البراك حسب ، بل من قبل المؤسسة الجامعية ، والمؤسسات التي تؤثر عليها أمثال السلطة السياسية والدينية .
الناصرية
17/6/2005